يرى أبراهام أبيبي، الباحث في مؤسسة «هورن ريفيو»، أن الاضطرابات السياسية والأمنية المستمرة في منطقة البحر الأحمر تعيد تشكيل خريطة الملاحة التجارية العالمية، وتدفع شركات الشحن الكبرى إلى إعادة النظر في اعتمادها على الممر الذي يربط قناة السويس بمضيق باب المندب. ويشير إلى أن تراجع وتيرة الهجمات البحرية لا يعني بالضرورة استعادة الاستقرار، في ظل استمرار الصراعات الإقليمية التي تجعل أمن الملاحة عرضة للتقلبات المفاجئة.

 

وبحسب تحليل نشره موقع هورن ريفيو، لم تعد القضية الأساسية تتمثل في عودة حركة السفن إلى البحر الأحمر، بل في استمرار تعامل شركات الشحن الكبرى مع هذا المسار باعتباره طريقًا مشروطًا بمستوى المخاطر الأمنية، مقابل تزايد الاعتماد على طريق رأس الرجاء الصالح بوصفه بديلًا استراتيجيًا دائمًا. ويحذر التحليل من أن هذا التحول قد يقلص الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لدول المنطقة، لا سيما دول القرن الإفريقي التي تعتمد على موقعها الجغرافي لتحقيق عائدات من الموانئ والخدمات اللوجستية والاتفاقيات العسكرية.

 

 

شركات الشحن تعيد حساباتها.. البحر الأحمر لم يعد مسارًا مضمونًا

 

لا تكمن الأهمية الاستراتيجية للحظة الراهنة في البحر الأحمر في الهجمات الصاروخية وعمليات اختطاف السفن التي تصدرت عناوين الأخبار خلال ذروة الأزمة، بقدر ما تكمن في القرارات اليومية التي تتخذها شركات الشحن الكبرى. فعندما تضع شركة «سي إم إيه سي جي إم» (CMA CGM)، إحدى كبرى شركات شحن الحاويات في العالم، خطط شبكتها التشغيلية على أساس استمرار الحذر في ممر البحر الأحمر، فإنها لا تستجيب للأخبار الآنية، بل تتصرف انطلاقًا من افتراض أن انعدام الأمن أصبح سمة مستمرة للممر، وليس اضطرابًا مؤقتًا.

 

ويكشف هذا القرار عن طبيعة الأزمة بصورة أعمق من أي تراجع قصير الأجل في عدد الهجمات المعلنة.

 

ويشير التحليل إلى أن النقاش بشأن البحر الأحمر ينطلق من سؤال غير دقيق عندما يركز على ما إذا كانت حركة الملاحة قد عادت إلى مستوياتها السابقة. فالسؤال الأهم هو: لماذا لا تزال شركات الشحن الرائدة تتعامل مع محور قناة السويس ومضيق باب المندب باعتباره مسارًا مشروطًا؟ ولماذا يتحول الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح من خيار اضطراري خلال الأزمات إلى بديل استراتيجي دائم؟

 

ويعكس هذا التحول نظرة متزايدة إلى البحر الأحمر باعتباره ممرًا تحكمه المخاطر السياسية والأمنية، بدلًا من كونه طريقًا مضمونًا في منظومة الخدمات اللوجستية العالمية.

 

ويوضح موقف شركة «سي إم إيه سي جي إم» ثلاث حقائق أعمق بشأن استمرار انعدام الأمن في المنطقة.

 

تتمثل الحقيقة الأولى في أن إجراءات الردع لم تنجح في إرساء سيطرة سياسية مستقرة. فتراجع الهجمات يعكس ضغوطًا عسكرية قصيرة الأجل وتغيرًا في أساليب التحرك، وليس القضاء على الشبكات المسلحة أو معالجة الظروف السياسية التي أتاحت وقوع الهجمات البحرية في الأساس. ولا تزال الجهات المسلحة من غير الدول، المرتبطة بالصراعات الإقليمية، حاضرة في المشهد، وقد أثبتت قدرتها على التوقف مؤقتًا وإعادة تنظيم صفوفها ثم تصعيد عملياتها مجددًا.

 

ولهذا، لا تزال شركات التأمين تضع تسعير المخاطر في الحسبان، فيما تواصل شركات الشحن تطبيق بروتوكولات سلامة الأطقم وتعديل خوارزميات تحديد المسارات، بما يعكس استمرار احتمال تعرض الممر لمخاطر مفاجئة.

 

أما الحقيقة الثانية، فتتمثل في أن الخريطة الجغرافية للصراعات المحيطة بالممر لم تتغير. إذ يقع مضيق باب المندب بمحاذاة مناطق تتداخل فيها بؤر عدم الاستقرار، تشمل الصراع اليمني الذي لم يُحسم بعد، وهشاشة الأوضاع في أجزاء من القرن الإفريقي، وتصاعد المواجهات في الشرق الأوسط التي قد تمتد تداعياتها إلى المجال البحري.

 

ويكتسب بُعد القرن الإفريقي أهمية خاصة، لأنه يربط انعدام الأمن البحري بالتفكك السياسي على اليابسة. فالتحديات الأمنية المستمرة في الصومال، إلى جانب الدور الذي تؤديه جيبوتي بوصفها مركزًا عسكريًا يستضيف قواعد أجنبية، تخلق بيئة إقليمية تنافسية تتداخل فيها السيطرة على السواحل وتطوير الموانئ وإتاحة الوصول البحري مع التنافسات الجيوسياسية الأوسع.

 

وتعني هذه الديناميات أن أمن البحر الأحمر لا يمكن فصله عن هشاشة دول القرن الإفريقي والتوترات بين الدول وتدخل القوى الخليجية الساعية إلى تعزيز نفوذها الاستراتيجي عبر اتفاقيات الموانئ والمنشآت العسكرية.

 

ولم تُفضِ أي تسوية سياسية إلى تحقيق الاستقرار في هذه الساحات. وما دامت الصراعات الساحلية والمناطق القريبة من السواحل مستمرة، فسيظل الممر البحري الذي يتوسطها عرضة للاضطراب؛ إذ تستطيع الدوريات البحرية اعتراض المقذوفات، لكنها لا تستطيع إزالة الدوافع السياسية التي تجعل الملاحة أداة للضغط غير المتكافئ.

 

وتتعلق الحقيقة الثالثة بتزايد التدخل العسكري للقوى الخارجية من دون بناء منظومة مستدامة للاستقرار. فقد أدى تكثيف الوجود البحري الخارجي إلى توفير طبقة من الحماية الأمنية التفاعلية، تعتمد على تحالفات ومهام محددة، وتظل رهينة الاعتبارات السياسية وتغير التفويضات والظروف الداخلية للدول المشاركة وقواعد الاشتباك المتبدلة.

 

وبالنسبة إلى الشركات التجارية، يعني ذلك أن الحماية المستقبلية لا تزال غير مضمونة، بدلًا من الاستناد إلى بنية أمنية طويلة الأجل. فالممر الذي يعتمد تأمينه على ترتيبات مؤقتة وارتجالية سيظل مصنفًا ضمن المسارات غير المستقرة.

 

 

رأس الرجاء الصالح بديلًا استراتيجيًا.. كلفة أعلى ومخاطر أكثر قابلية للتوقع

 

في ظل هذه الظروف، يكتسب طريق رأس الرجاء الصالح أهمية جديدة في حسابات شركات الشحن. فرغم أنه أطول وأكثر كلفة من حيث استهلاك الوقود والوقت، فإنه يوفر ما يفتقر إليه البحر الأحمر حاليًا، وهو القدرة على توقع المخاطر بدرجة أكبر.

 

ويخلو هذا الطريق من تركز مماثل للصراعات القابلة للامتداد إلى المجال البحري، كما لا يمر عبر اختناقات بحرية ضيقة تقع ضمن مدى الصواريخ المنطلقة من مناطق النزاع النشطة، فضلًا عن انخفاض تعرضه نسبيًا لتهديدات الجهات المسلحة من غير الدول التي تسعى إلى جذب الاهتمام العالمي.

 

وبذلك، يوفر البحر الأحمر الوقت، لكنه يعرّض السفن لقدر أكبر من عدم اليقين الأمني.

 

ويعيد هذا التباين تشكيل منطق الشركات في إدارة عملياتها؛ إذ تعتمد خطوط الشحن على موثوقية الشبكات التشغيلية، وليس على السرعة وحدها. فالمسار الذي قد يكون مفتوحًا اليوم ومغلقًا غدًا يربك جداول دوران السفن ومواعيد الرسو في الموانئ وإعادة توزيع الحاويات والمعدات، فضلًا عن الالتزامات التعاقدية المتعلقة بمواعيد التسليم.

 

ويجبر هذا الوضع الشركات على تخصيص هوامش زمنية إضافية، وإعداد خطط بديلة متوازية، والإبقاء على خيارات متعددة للمسارات البحرية. ونتيجة لذلك، يتحول طريق رأس الرجاء الصالح إلى جزء أساسي من التخطيط التشغيلي المعتاد، بدلًا من الاحتفاظ به خيارًا استثنائيًا للأزمات.

 

ومع ترسخ هذا التوجه، يحدث تحول نفسي وهيكلي في قطاع الشحن، يفقد معه مسار قناة السويس مكانته بوصفه الخيار الافتراضي الذي تنطلق منه الشركات.

 

ويؤدي تغيير مسارات السفن والالتفاف حول إفريقيا إلى استيعاب جزء أكبر من الطاقة الاستيعابية للأسطول التجاري العالمي، وإطالة دورات الرحلات ذهابًا وإيابًا، وتقليص مرونة الاستجابة للتغيرات في العرض، فضلًا عن إعادة توزيع الثقل البحري الاستراتيجي باتجاه جنوب المحيط الأطلسي والممرات البحرية المحاذية لجنوب إفريقيا.

 

ويحد ذلك من موثوقية البحر الأحمر بوصفه شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية.

 

وبالنسبة إلى الدول المطلة على البحر الأحمر، لا تقتصر التداعيات على الجانب الأمني، بل تمتد إلى الاقتصاد والجغرافيا السياسية؛ إذ يؤدي استمرار الاضطرابات تدريجيًا إلى تراجع مكانة الممر في حسابات الخدمات اللوجستية العالمية.

 

وتبدو التداعيات أكثر حدة بالنسبة إلى دول القرن الإفريقي. فقد اعتمدت هذه الدول تاريخيًا على قربها الجغرافي من طرق الشحن العالمية لتحقيق عائدات استراتيجية من رسوم الموانئ واتفاقيات استضافة القواعد العسكرية والخدمات المرتبطة بالعبور البحري.

 

لكن تراجع موثوقية البحر الأحمر يقلص هذه الميزة الجغرافية. فقد يتراجع دور جيبوتي بوصفها بوابة تجارية رئيسية، حتى مع استمرار أهميتها مركزًا للإمداد والعمليات العسكرية. كما تعتمد مشروعات إعادة تأهيل الموانئ الصومالية على استمرار الجدوى التجارية للممر البحري.

 

وإذا اعتمدت شركات الشحن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بصورة مؤسسية ودائمة، فقد تخسر دول القرن الإفريقي ليس فقط جزءًا من إيرادات موانئها، بل أيضًا النفوذ الجيوسياسي الذي تستمده من موقعها على أحد أهم شرايين التجارة العالمية.

 

 

أزمة ممتدة تعيد تشكيل النظام البحري العالمي

 

لم يؤدِ غياب الهجمات المتواصلة إلى استعادة الثقة في البحر الأحمر. ويشير استمرار حذر شركة «سي إم إيه سي جي إم» إلى أنها لا ترى أن الممر تجاوز بعد عتبة الأمان المستدام.

 

وما تشهده المنطقة، وفقًا للتحليل، ليس استقرارًا موثوقًا، بل هدوءًا مُدارًا فوق منظومة من الصراعات التي لم تُحل. فقد تتراجع حدة العنف أو تتصاعد، لكن البيئة الأساسية لا تزال تسمح بعودة الاضطرابات.

 

وبذلك، دخل البحر الأحمر مرحلة من انعدام الأمن المزمن، أصبح فيها طريق رأس الرجاء الصالح أكثر من مجرد مسار بديل؛ إذ يتحول تدريجيًا إلى خيار هيكلي في مواجهة ممر يتحدد استقراره بدرجة كبيرة وفقًا للتطورات السياسية.

 

ويعيد القبول المتزايد بالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح تشكيل البنية الأساسية للشحن العالمي. فشبكات الملاحة لا تعود ببساطة إلى أوضاعها السابقة بمجرد انتهاء الأزمة، بل تتغير تدريجيًا مع إعادة توزيع السفن، وإعادة تنظيم التحالفات التشغيلية، وتصميم جداول الموانئ، وتعديل الالتزامات المتعلقة بموثوقية التسليم.

 

ولا يزال البحر الأحمر ممرًا مهمًا، لكنه بات جزءًا من استراتيجية أوسع لتنويع المخاطر، تعطي الأولوية للبدائل الاحتياطية على حساب الكفاءة التشغيلية وحدها.

 

وعليه، لا تتمثل المشكلة في أن الأزمة لم تنتهِ فحسب، بل في أنها تحولت إلى وضع جديد لم يعد العامل الحاسم فيه عدد الهجمات، وإنما مدى قدرة الاستقرار السياسي على نقل البيئة الأمنية من تقلبات تخضع للإدارة المؤقتة إلى حالة من القدرة المستدامة على توقع المخاطر.

 

ولم يتحقق هذا المستوى من الاستقرار حتى الآن. وربما تسهم تسوية سياسية كبرى في اليمن، أو نشوء إطار أمني إقليمي مستدام، في تغيير هذا المسار، لكن أيًا من الاحتمالين لا يبدو وشيكًا في الوقت الراهن.

 

وما دامت الصراعات المحيطة بالبحر الأحمر من دون تسوية، فستظل شركات الشحن تنظر إليه باعتباره ممرًا معرضًا لعودة المخاطر المفاجئة، وستواصل تعديل استراتيجيات الملاحة بما يعكس الحذر الهيكلي المتزايد.

 

وتتمثل النتيجة الاستراتيجية في أن التجارة العالمية تتكيف مع واقع لم يعد فيه بالإمكان افتراض أمن هذا الممر الحيوي بصورة تلقائية.

 

ويتطلب استعادة موثوقية الملاحة تحركًا منسقًا لا يقتصر على القوى البحرية الخارجية، بل يشمل المؤسسات الإقليمية، وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي، إلى جانب الأطراف المعنية الأخرى، لمعالجة الأسباب الأساسية لعدم الاستقرار.

 

فلم يعد الموقع الجغرافي وحده هو العامل المحدد لقيمة الممر البحري، بل أصبحت الاستقرار السياسي هو العنصر الحاسم في ضمان موثوقيته. وإلى أن تتغير هذه المعادلة، ستتحول التكيفات التي يشهدها قطاع الشحن اليوم إلى سمات راسخة في النظام البحري العالمي.

 

The Red Sea’s Strategic Downgrade: How Political Instability is Eroding Chokepoint Centrality – HORN REVIEW